الاثنين، 1 فبراير 2010

الموسيقى العربيّة بين سياسة التلقين وإفلاس المتلقّي


حين فكّرتُ بدايةً في الكتابة عن الموسيقى العربيّة في إطارها العام، متضمِّناً بذلك الأغنية العربيّة، السائدة الآن، وجدتُ صعوبةً بالغةً في الفصل بين ما يتّصل بهذا الموضوع من تعقيدات ومشاكل وأسباب، اجتماعيّة كانت أم سياسيّة، وهذا ما قد يفسّر الاسترسال في شرح بعض الأفكار، وفرار بعضها الآخر من بين السطور.

العقبة الأولى التي تواجهك في دراسة موضوعنا هذا هي صعوبة تغليط ملايين الناس، لذا فإن الجزم بسخف التذوّق الجمالي للأغنية العربية السائدة، دون الرجوع للأسباب العميقة لذلك، سيكون ابتذالاً. حين تأخذ أغنية ما حيّزاً كبيراً من الاهتمام في الإذاعات وحياة الناس اليوميّة، فإن ذلك يتطلّب نظرة أعمق. لا يجوز لنا أن نقف على أحد النقيضين وننظر إلى الآخر، وإنما نحتاج إلى تفهّم أشمل لا يأتينا إلا من خلال الابتعاد عن المقاييس الجامدة لجماليّة الكلمة أو اللحن ونوعيّتها.


والعقبة الثانية تكمن في المفهوم السائد للالتزام في الأغنية، والذي يرتبط لدى الكثيرين، حتى الموسيقيين منهم، بالأغاني السياسيّة والوطنيّة، وفي أحسن الحالات يمتدّ مفهوم الالتزام ليضمّ القصائد والموشحات. هذا التعريف للالتزام قاصرٌ بلا شكّ، فالالتزام كائنً في اللحن أكثر من الكلمة، وهو مطلوبٌ في أداء المغنّي والفرقة الموسيقيّة، وفي مكان العرض، وفي أساليب نشر الأغنية وتوزيعها، ولا يمكن الفصل بين أيٍّ مما سبق أبداً.

لا شكّ أنّ التعقيد، المبالغ فيه أحياناً، في المجتمع المعاصر، وتحوّل العمليات العقليّة والأحاسيس البشريّة إلى عمليات آليّة وروتينيّة نتيجةً لحلول الآلات محلّ العمل اليدويّ والعقليّ، صعّب ظهور، أو لنقل اكتشاف الإبداع الحقيقيّ، وتشجيع ظهور أنماط موسيقيّة جديدة لم تكن معروفةً من قبل، معتمدةً بشكلٍ كلّيّ على الآلات الالكترونيّة والمعالَجات الفنيّة بوساطة برامج تقنيّة متخصّصة، كالراب والميتال، وهي تبدو في شكلها معبّرة عمّا وصل إليه العالم. وهذه الأنماط الجديدة في الغناء، وسأقول الغناء تجاوزاً، انتشرت بشكلٍ كبير في نهايات القرن الماضي في أوروبا وأمريكا بشكلٍ خاصّ، واليوم، بات من الطبيعي أن تسمع الراب العربي أو الكوردي أو حتى الفارسي والهندي. ويعود هذا الانتشار في الغالب إلى سهولة كتابة هذه الأغاني وتسويقها، مدعومةً بكليباتٍ أقرب ما تكون إلى استعراضاتٍ في نوادي التعرّي. لكن هذا لا ينفي وجود نماذج قيّمة منها، كما أنّنا لا نستطيع إنكار وجودها لاسيّما وأنّها قد لاقت كلّ هذا القبول في العالم ككل.

ولكن؛ لا بدّ لنا من طرح سؤالٍ مهمٍّ هنا، ألا وهو: لماذا نجد معظم الناس يفضّلون الأغنيات عن الموسيقى المجرّدة من الكلمات، وبشكلٍ أخصّ الموسيقى الكلاسيكيّة؟

الجواب الأمثل لهذا السؤال يأتينا من ملاحظة أن نسبة انتشار الأغنية بين الشعوب المحكومة من قبل أنظمة دكتاتورية الطابع تفوق بكثير نسبة انتشارها بين الشعوب التي تتميز بأنظمة ذات طابع ديموقراطي حقّ، وهذه النسبة تتناسب عكساً مع الهامش المتروك لحريّة التفكير والتعبير. إنّ معظم عواصم الأنظمة الدكتاتورية تخلو من قاعات موسيقيّة كبيرة أو ما يسمّى دار أوبرا، أو يمكن أن توجد واحدة تشهد حفلة أو اثنتين شهريّاً. إذن؛ يمكن أن نخلص إلى أنّ سياسات التلقين وحجب العقول والنفوس عن التفكير والتحليق بعيداً على مدى سنين طويلة، قد روّضت آذان الناس وجعلتهم أحوج إلى كلماتٍ مصفوفة بأحاسيس مسبقة، وصعّبت مهمة الموسيقى الحرّة من القيود والتي تتطلب فهماً أعمق وأصدق.

وبالنظر إلى ما يُقدّم على صعيد الأغنية العربيّة، نجد أن هذا النتاج يتخبّط بين همجيّة وسذاجة القطيع من جهة، وبين التفرّد والتميّز المدفوعين بأنانيّة مفرطة من جهةٍ أخرى، ويمكن تعميم ذلك على شتّى أنواع الفنون والآداب، إن وجدت.

إذ يمكن تقسيم من يُطلَق عليهم أسماء (مطربين، فنّانين، موسيقيين، قياصرة، سلاطين، ملوك، بلابل..إلخ) إلى فئتين: الأولى، و هي الأكثر شيوعاً وانتشاراً، وتمتاز أعمالهم بالتشابه والتكرار والتوّجّه نحو الغرائز عامّة، والجنسيّة خاصة، مقدِّمةً صورةً واضحة عن ضعف أصحابها وإفلاسهم وضياعهم، ولن أذكر هنا أيّة أمثلة لأن المحطّات الفضائيّة والإذاعات تقدّم لنا كلّ يوم المئات منها. أمّا الفئة الثانية، فيعتقد القسم الأعظم منّا أنّها المتقدّمة والمتميّزة في الإنتاج، وأعمال هؤلاء تدور حول أسمائهم، ونتاجهم موجّه نحو المشاعر الأسرع إثارةً، كالحب والكره والتذمّر والفخر والاعتزاز...إلخ، وهؤلاء هم رموز الغناء والطرب في العالم العربي الآن. إنّهم، رغم رسالاتهم غير المشكوك في صدقها، يمارسون نوعاً من الاستغلال الخفيّ غير المقصود لهذه الرسالات والقضايا، لتطغى أسماؤهم على أعمالهم.

وسط هذه الجلبة كلّها، تنطلق همسات خافتة من هنا وهناك، ولكنّها حتّى الآن لم تستطع، أو بالأحرى، لم يُقدّر لها أن تصنع الكثير، ولكنها شكّلت خطواتٍ مهمّة لتقديم المختلف. ومطلقو تلك الهمسات اصطدموا، كأسلافهم المبدعين، بالتناقض المتجذّر في مجتمعاتنا، والذي يفترض شرطاً مهمّاً لا يكتمل الإبداع دونه، وهو قيمة هذا الإبداع، أي فائدته للفرد والمجتمع، ولكنّ الواضح، أنّ على المبدع أن يظهر درجاتٍ عالية من الموهبة والشجاعة لإظهار هذه الموهبة، لأنّها غالباً ما تكون، ومن المفترض أن تكون، معارضةً لتوجهات المجتمع الذي يعيش فيه.

ولكن؛ كيف يقدّم المبدع ما هوّ مختلف وغير نمطيّ، والتربية الصالحة في مجتمعاتنا تؤكّد على أنّ السعادة تكمن في القدرة على التوافق مع المجتمع وتقاليده والتماشي والتماهي بعاداته؟

سأذكر عدّة أسماء مهمّة جداً في عالم الغناء العربي، ولكنّها هُمِّشت للأسباب السابقة وغيرها. أوّل من أخصّهم بالذكر الموسيقار زياد الرحباني، ولن أخوض في أعماله السياسية، على الرغم من أهميّتها، ولكن، ما لا يُذكر عنه هو مصطلح oriental jazz.

ظهرت موسيقى الجاز في بدايات القرن العشرين بين السكّان الأمريكيين-الأفريقيين في الولايات الجنوبية من الولايات المتحدّة الأمريكيّة بشكلٍ مغاير للموسيقى الأفريقيّة والأوروبيّة التي كانت سائدةً آنذاك، وتعتمد هذه الموسيقى على مجموعة من الآلات النفخية والدرامز والبيانو بشكلٍ أساسي.

لم يدرك الجمهور العربي حتى الآن القيمة الفنية لموسيقى زياد الرحباني، وكان مشروعه هذا، حسب اطّلاعي، أهم ما قُدِّمَ على صعيد الموسيقى والأغنية العربية على الإطلاق. ولكن؛ من الناحية النظرية، فشلَ زياد الرحباني، والسبب أن موسيقاه كانت سابقةً لأوانها، فالأذن العربيّة لم تستطع تقبّل موسيقى دقيقة واحترافيّة من هذا النوع، لاسيّما وأنّها جاءت متوسطةً بين أجيال الطرب العربيّ وأجيال روتانا.

استطاع زياد، في الأعمال التي ما زال يقدّمها، أن يضفي على موسيقى الجاز طابعاً شرقيّاً مميّزاً، فقد أضاف إلى الآلات السابقة الذكر آلات البزق والقانون والناي والإيقاعات الشرقيّة، لتكتمل اللوحة في ذهنه وليقدّم نماذج متكاملة من الموسيقى والأغاني التي تحتاج إلى أكثر من الاستماع إليها.

ظافر يوسف؛ شخصٌ آخر، هرب من منفاه، تونس، ووجد في أوروبا القدرة على إثبات نفسه وترجمة ما تعلّمه بنفسه لاستحداث نمطه الخاصّ، الجاز الصوفيّ. سخّر ظافر يوسف موسيقى الجاز لعزف الترانيم الصوفيّة بصوته القويّ والواسع، داعماً إيّاها بعوده وتقنياته الملفتة للانتباه. أصدر ظافر حتى الآن أربعة ألبومات استطاع من خلالها أن يثبت نفسه في أوروبا كعازف عود ومغنٍّ يفوق كلّ احترام.

بعيداً عن موسيقى الجاز، كانت السيدة هبة القواّص، من لبنان، تعمل جاهدةً، كمغنيّة أوبراليّة وعازفة بيانو، على تطويع الحروف العربية وإثبات إمكانيّة استخدام اللغة العربية في الأوبرا. ورغم قلّة إنتاجها، إلا أنّ الأعمال القليلة التي قدّمتها، تلق صعوبة في الوصول إلى الجمهور العربيّ.

وكي لا يتحوّل المقال إلى سردٍ ممل، سأكتفي بذكر بعض الأسماء، فقط ليعلم من لا يعرف هذه الأسماء، كلّها أو معظمها، أنّه فوّت فرصةً للاستمتاع بأعمالٍ حقيقيّة: أنور ابراهيم، توفيق فرّوخ، جاهدة وهبة، ربيع أبو خليل، ريما خشيش، زاد ملتقى، نصير شمّة، محمد عبد الوهاب، مرسيل خليفة، مروان عبادو، نديم محسن، وغيرهم قليلٌ من غاب عن هذه السطور.

والآن، إذا كانت الفجوة بين هؤلاء والجمهور العربيّ كبيرة، لأسبابٍ ذُكِرت وأخرى لم تذكر، فكيف السبيل إلى التقريب بين هذين النقيضين؟ أو بعبارة أخرى كيف نعلّم آذاننا انتقاء الجيّد ورفض الرديء؟

ربما لا تشكّل المحطّات الفضائيّة التي تتزايد أعدادها باضطراد الخطر الذي يُهوَّلُ له كلّما بدأ الحديث عن تدنّي مستوى الثقافة بشكلٍ عام، والذوق الفنيّ بشكلٍ خاصّ، وإنّما النقطة الأهمّ هي المحطّات الإذاعيّة. كلّ منا يستطيع، بالطبع إذا أراد، أن يختار بين محطّتي MEZZO أو Melody الفضائيّتين، ولكنّنا لا نستطيع، ضمن خيارات المحطّات الإذاعية المعدودة، أن نختار ماذا نسمع، وخاصّة في وسائل النقل العامّة، إذ نبدو مضطرين إلى الاستماع إلى ما يُساق إلينا من ابتذال واستخفافٍ بنا. إنّ إحداث هذا التغيير الجذريّ في المجتمع قد يحتاج عقوداً، ولكن، إن لم يبدأ العمل فلن ينتهي! إنّ تدريب الأذن على انتقاء الجيّد ورفض الرديء لا يختلف إطلاقاً عن تدريب العين على رؤية الفنّ الحقيقيّ وتمييزه.

إذن، فالمسؤوليّة تقع على عاتق الجميع، المستمع قبل الفنّان، بائع الأقراص قبل مُنتِجها، المُلحِّن قبل المطرب، العازف قبل المؤلِّف.

طبعاً أنا لا أدعو إلى عزف "سمفونية" في حفل زفاف أحدهم، ولا أدعو إلى فرض الحجاب على فنّانات روتانا، ولكنّ ما يثير الجدل هو عدم قدرة المستمع العربيّ على الإحساس بالموسيقى الصادقة، أي يبدو الأمر وكأنّ محطّات مثل روتانا وميلودي تشكّل حاجة ملحّة لدى الشارع العربيّ تماماً كحاجتهم إلى قناة الجزيرة.

حين سألت أحد أصدقائي عن كيفيّة استماعه إلى الموسيقى أكّد لي أنّه يستطيع الإحساس بالمؤلف لدرجة أنّه يستطيع تحديد وقت كتابة تلك القطعة الموسيقية. فالاستماع إلى الموسيقى المجرّدة لا يعني أن نشعر بما نشاء، بل أن نفهم ما يحاول كاتب هذه الموسيقى أن يوصله إلينا.

مما لا شكّ فيه أنّ الموسيقى عموماً، والأغنية خصوصاً هي من أهمّ أدوات التغيير والتقدّم في المجتمعات، منذ العصور الوسطى وصيحات المعارك وأهازيجها، إلى الحضرات الدينية، وحتى الأذان في الجوامع. وهناك أمثلةٌ كثيرة على أغنيات قلبت تاريخ مجتمعات بأكملها. رغم ذلك، ليس مطلوباً من كلّ أغنية أن تغيّر مجتمعاً، ولكن، على الأقلّ، مطلوبٌ منها أن تعطي قيمةً ما لهذا المجتمع، وأن تحترم وجوده.


* تم نشر هذا المقال على كل من المواقع الالكترونية التالية: ألف، عكس السير، بدنا حل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق