الأربعاء، 19 فبراير 2014

اشترِ نفسك بعلبة دخان.. أو احصل على بطاقة أمنية


تنتشر في المناطق التي تخضع تحت سلطة قوات النظام السوري مئات الحواجز الأمنية والعسكرية، سواء على مداخل المدن والبلدات أو ضمنها، وكذلك الأمر بالنسبة للطرق الرئيسة التي تربط بين المدن أو الطرق الدولية التي تؤدي إلى لبنان.

يتبع العناصر المتواجدون على هذه الحواجز إلى مختلف الأفرع الأمنية، وهي الأمن العسكري والأمن السياسي وأمن الدولة والمخابرات الجوية والفروع الأمنية المنبثقة عن كل منها، بالإضافة إلى حواجز الجيش النظامي وحواجز اللجان الشعبية وجيش الدفاع الوطني، وقد ظهرت مؤخراً حواجز تابعة لحزب الله اللبناني وبشكل خاص في بعض مناطق العاصمة دمشق.


أمن سوريا يساوي علبة دخان مع 200 ليرة


ظهرت الحواجز الأمنية منتصف عام 2011 حول المناطق التي تقطنها الأقليات بهدف تحذيرها من خطر افتراضي يتهددهم، ومع اتساع رقعة الاحتجاجات المناهضة لنظام بشار الأسد باتت هذه الحواجز تقطّع أوصال معظم المدن السورية.

وخلافاً لما يدّعي المتحدثون باسم النظام السوري -على اختلاف مناصبهم- بأن هذه الحواجز هي لحماية المدنيين من "المجموعات الإرهابية المسلحة" فإن دور هذه الحواجز يقتصر على اعتقال الناشطين والمتظاهرين وعناصر الجيش السوري الحر الواردة أسماؤهم في القوائم التي تُعطى لعناصر هذه الحواجز.

واقع الأمر في دمشق وريفها يؤكد على أن لا دور لهذه الحواجز سوى اختلاق الازدحام المروري وتقاضي رسوم عبور تتناسب مع طبيعة الحاجز وموقعه ونوع السيارة المارة بغض النظر عما تحتويه.

فحاجز العباسيين الذي يقع على الطريق القادمة من ريف دمشق الشرقي يسمح بمرور سيارة نقل كبيرة لعلب البيبسي مثلاً دون تفتيشها مقابل حصول العنصر المتواجد على الحاجز على علبة بيبسي واحدة، وهذا الحاجز، كباقي الحواجز، يتقاضى رسماً عن مرور سيارات نقل الخضرة "تشكيلة من الخضرة" المُحمّلة.

أفاد لنا أحد الموظفين في شركة كهربائيات أن حاجز العباسيين كان يتقاضى عن كل جهاز موجود في السيارة مبلغ ألف ليرة سورية أو ما يعادل نحو 7 دولارات أمريكية، وعندما حاول في أحد المرات مفاوضة عناصر الحاجز لتخفيض المبلغ قالوا له: "والله ما بتوفي معنا!"

أما باقي الحواجز في مدينة دمشق ومحيطها فتسعيرة المرور منها "دون تفتيش" هي علبة دخان مع 200 ليرة، والطريف في الأمر أن نوع علبة الدخان يختلف باختلاف أهمية الحاجز من حيث الفرع الذي يتبع له، أو من حيث الطريق الذي يقع عليه، فالحاجز المهم يأخذ علبة "مارلبورو" أما الحاجز الأقل أهمية يأخذ علبة "إليغانس."

ذات الأمر ينطبق على الحواجز الممتدة على طول الطريق الواصلة بين دمشق والعاصمة اللبنانية بيروت، فالحاجز المتواجد قرب يعفور مثلاً يتقاضى من كل سيارة علبة دخان "مارلبورو" ويدس السائق تحتها مبلغاً قدره 200 ليرة، وفي بعض الأحيان يقوم عناصر الحاجز بطلب بعض الأغراض من لبنان أو تصليح حاسب محمول، وبذلك يتم إعفاء السيارة من التفتيش.

على حواجز أخرى يقوم العناصر بحجز البطاقات الشخصية لبعض الشبان ويطلبون منهم الذهاب لشراء الدخان أو الطعام، ليعيدوا البطاقات لأصحابها لاحقاً بعد الحصول على تلك المواد، وفي الغالب لا يدفع العناصر ثمنها.

قال لنا أحد المدنيين إنه حاول أن يدفع لأحد الحواجز داخل دمشق، فغضب العنصر ورفض النقود وقال: "هل تعتقد أني سأبيع البلد بمئتي ليرة؟!" فاستغرب السائق لأنها كانت المرة الأولى، وربما الأخيرة، التي يرفض فيها عنصر أمن مبلغاً من المال.

أما إذا كان الضابط المسؤول متواجداً على الحاجز فيختلف الأمر بحسب الضابط، إذ أنه يحصل أن يتقاضى العناصر هذه الرسوم أمامه، وأمام ضباط آخرين لا يفعلون.

الخط العسكري يصبح مدنياً مقابل نفس المبلغ


مع تزايد أعداد الحواجز، أنشأت قوات النظام ما بات يُعرف بالخط العسكري لتسهيل مرور السيارات العسكرية والأمنية دون تفتيشها، إلا أن هذا الخط لم يعدد المرور فيه مقتصراً على هؤلاء، فكل من يحمل بطاقة طبيب أو صيدلي أو صحافي تابع لمؤسسة إعلامية مقربة من النظام بات قادراً على المرور من هذا الخط.

لذلك انتشرت ظاهرة البطاقات الأمنية التي تمنحها السلطات السورية لعناصر التشكيلات المسلحة التي تقاتل إلى جانبها، كالشبيحة واللجان الشعبية وجيش الدفاع الوطني، لكن حتى هذه البطاقة، كغيرها من الأوراق الرسمية، بات بالإمكان أن يحصل عليها أياً كان عن طريق استصدارها بعد دفع رشاوى للجهات المسؤولة عن إصدارها.

إضافة إلى ما سبق، فإن عدداً لا بأس به من سيارات النقل العمومي، وبشكل خاص تلك التي تعمل على خط دمشق-بيروت أصبحت تمر على الخط العسكري إذا ما كان أحد الركاب يحمل هذه البطاقة الأمنية، أو عبر قيام السائق بدفع الرسم المتعارف عليه: علبة دخان مع 200 ليرة، لذلك يمكن أن يشهد الخط العسكري في بعض المناطق ازدحاماً مرورياً أكثر من الطرق العادية.

ماذا لو قررت ألا تدفع؟!


وفقاً لبعض الركاب الذي يسافرون بشكل دوري بين دمشق وبيروت فإن السائق الذي لا يدفع لعناصر الحاجز يتعرض للمعاملة السيئة من قبلهم، فضلاً عن قيامهم بتفتيش السيارة وركابها وكل أمتعتهم بشكل دقيق وبطيء، وذلك -حسب قولهم- لا لشيء وإنما "ليتعلّم أن يدفع في المرات القادمة."

أحد السائقين عبّر عن ذلك بقوله: "حتى لو كانت كل أموري نظامية فأنا أدفع لهم كي يعاملوني باحترام.. أدفع لهم كي أريح نفسي منهم."

روت لنا إحدى الشابات ما رأته أثناء توقفها على أحد الحواجز القريبة من الحدود السورية اللبنانية، حيث قام عناصر الحاجز بالسماح لسيارة رباعية الدفع بالمرور وسط الازدحام الشديد دون تفتيشها على الرغم من احتوائها على كميات كبيرة من المواد الغذائية المشتراة من لبنان، فيما كان نفس العناصر يوقفون سيارة أخرى ويفتشونها بشكل دقيق جداً وهي لا تحمل شيئاً، فثار سائق السيارة وبدأ بالصراخ طالباً الضابط المسؤول عن الحاجز متهماً عناصر الحاجز بالسماح لسيارة الدفع الرباعي بالمرور مع أنها تحمل أسلحة!

حينما حضر الضابط واصل السائق صراخه وقال للضابط: "أحضر وزير الداخلية إلى هنا.. سأشتكي عليكم.. لقد شاهدت السيارة بعيني وهي تحمل الأسلحة. لقد سمحتم لها بالمرور بعد أن دفع لكم.." فقام الضابط مباشرة باسترضاء السائق ونكران ما حصل مؤكداً للسائق أن الحاجز سيسمح له بالمرور دون تفتيش في كل مرة شرط أن يهدأ!

للخروج من المناطق المحاصرة تسعيرة أخرى


أكد عدة أشخاص ممن نزحوا من الغوطة الشرقية بريف دمشق عن طريق بلدة المليحة أن الحاجز التابع للجيش النظامي على الطريق بين المليحة ودمشق يتقاضى مبلغ 150 ألف ليرة عن الشخص الواحد للخروج من البلدة، أي ما يعادل 1000 دولار أمريكي، وهذا المبلغ يتزايد من فترة لأخرى تزامناً مع ارتفاع وتيرة الحصار الذي تفرضه قوات النظام على الغوطة الشرقية منذ نحو خمسة أشهر.

كذلك أوضح لنا أحد النازحين من بلدة يلدا في ريف دمشق الجنوبي أن حاجز قوات النظام طلب منه مبلغ 150 ألف ليرة ليتمكن من إخراج أثاث بيته الذي تركه منذ نحو سنة، وذلك على الرغم من الهدنة التي حصلت مؤخراً في البلدة بين قوات النظام وكتائب المعارضة، وأضاف: "عناصر الحاجز قد يسمحون لي بالدخول لكن لن يسمحوا لي بالخروج، كما أنهم لا يسمحون للخارج من البلدة بالعودة إليها."

وفي هذا السياق أفاد ناشطون من حلب أن حواجز اللجان الشعبية القريبة من معبر كراج الحجز في حي بستان القصر يمنعون النازحين من الأحياء الشرقية في المدينة التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة بالنزوح إلى الأحياء الغربية التي يسيطر عليها النظام هرباً من القصف اليومي بالبراميل المتفجرة من قبل الطيران المروحي التابع للجيش النظامي، لكنهم يسمحون للمدنيين بالعبور من غرب المدينة إلى شرقها مقابل مبالغ نقدية تختلف باختلاف عناصر الحاجز وعدد المارين وكمية الحاجيات التي يحملونها، علماً أن هذه الحواجز تمنع إدخال المواد الغذائية.




* تم نشر هذا التحقيق على موقع الحل السوري الالكتروني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق